مقدمة
تحدث مضاعفات التخدير عند جميع المرضى، بمن فيهم ذوو متلازمة داون، غير أن احتمال وقوعها لدى هذه الفئة يفوق ما هو معهود لدى غيرها. وإدراك المضاعفات الأكثر شيوعاً يُمكّن أطباء التخدير من وضع خطط أكثر أماناً. ويستلزم التخطيط لتخدير آمن إجراءَ تقييم شامل للمريض ومراجعة دقيقة لتاريخه الطبي من قِبل اختصاصي تخدير مدرّب. وقد يكون التشاور المباشر مع طبيب التخدير قبل موعد العملية بوقت كافٍ أمراً ضرورياً، ولا سيما في حال وجود اعتبارات طبية أو سلوكية خاصة.
لماذا يحتاج ذوو متلازمة داون إلى التخدير؟
يُعاني 40-60% من الأطفال المولودين بمتلازمة داون من تشوهات قلبية بالغة، يستلزم معظمها تدخلاً جراحياً مبكراً. وقد كان التدخل الجراحي المبكر للقلب منذ ستينيات القرن العشرين من أبرز العوامل التي أسهمت في إطالة أعمار هؤلاء. وثمة تشوهات خلقية أخرى قد تستدعي التدخل الجراحي المبكر، من بينها مشاكل المريء والجهاز الهضمي والمسالك البولية. وتجاوز هذه الإشكاليات الصحية الكبرى يعني بدوره ارتفاع احتمالية الإصابة بحالات صحية مزمنة قد تستوجب تدخلاً جراحياً لاحقاً، شأنهم في ذلك شأن سائر الناس.
الجوانب الأكثر تأثراً بمتلازمة داون على صعيد سلامة التخدير
ثمة جوانب عديدة لمتلازمة داون ينبغي مراعاتها عند التخطيط لتجربة تخدير آمنة. وقبل تقديم أي مسكّن أو مخدّر، لا بد من مراجعة معمّقة تشمل: الوضع الصحي الراهن، وتطور الحالة المعنية، والتحسسات والأدوية، والتاريخ الطبي والجراحي بما فيه تاريخ التخدير، إضافة إلى الفحص الجسدي بقدر ما يسمح به المريض.
وتشمل أبرز المسائل التي ينبغي مراعاتها: السلوك والتواصل، وانسداد المجاري التنفسية وانقطاع النفس النومي، وبطء القلب، ومرض الارتجاع المعدي المريئي، وعدم الاستقرار الفهقي المحوري، وحجم المجاري التنفسية.
تأثير مسائل السلوك والتواصل في التخدير
قد يُبدي الأشخاص ذوو متلازمة داون قلقاً وتوتراً متزايدَين حين يُوضَعون في بيئات غير مألوفة كعيادة الطبيب أو غرفة العمليات. وقد يُفضي هذا القلق الشديد أحياناً إلى سلوكيات غير آمنة. فضلاً عن ذلك، يُحرّض القلق استجابات الجهاز العصبي الودي ("الكر أو الفر") التي قد تُسهم في حدوث مضاعفات تخديرية. وكثيراً ما يكفي أن يتحدث المختص في الرعاية الصحية بهدوء مع المريض ومن يرعاه لتهدئة هذا القلق، وإن استدعى الأمر فقد تُوصف مهدئات قبل الجراحة.
ومن الأهمية بمكان أن يُظهر أفراد الأسرة ومقدمو الرعاية سلوكاً هادئاً ومطمئناً خلال مراحل التقييم والتحضير. وإذ إن المهارات الاستقبالية اللغوية لدى ذوي متلازمة داون تفوق عادةً قدراتهم التعبيرية، فهم يُدركون القلق والانفعال لدى المحيطين بهم ويتأثرون به. وقد يُشكّل ضعف التواصل عائقاً أيضاً أمام تعبيرهم عن الألم أو الغثيان، إذ يجدون في الغالب صعوبة في وصف ألمهم بتفاصيل دقيقة كالموضع والمدة والشدة.
تأثير انقطاع النفس النومي وانسداد المجاري التنفسية في التخدير
الأشخاص الذين يعانون من انسداد المجاري التنفسية أثناء النوم هم أكثر عرضة لتعرضها للانسداد تحت التخدير. فالمرضى يفقدون تحت تأثير المهدئات والمخدرات منعكساتهم الوقائية —كمنعكس السعال والمنعكس البلعومي— والتوتر العضلي، مما يدفع أنسجة المجاري التنفسية للاقتراب من بعضها. وبالنسبة لمن تكون أنسجتهم قابلة للارتخاء أصلاً أثناء النوم الطبيعي، فإن فقدان هذه المنعكسات وحده كفيل بحصول الانسداد.
يُشكّل انسداد المجاري التنفسية خطراً حقيقياً لأنه يحول دون وصول الأكسجين إلى الرئتين، وقد يُفضي استمراره إلى الوفاة. لذلك يتدرب أطباء التخدير على معالجته بأساليب متعددة، من بينها التنبيب (وضع أنبوب تنفس في القصبة الهوائية)، وفي حالات نادرة قد يستدعي الأمر شقاً في العنق لضمان بقاء المجرى التنفسي مفتوحاً.
ولا تستلزم الحالات المعتادة إجراء دراسة للنوم قبل التخدير، إلا أن العمليات المعقدة التي تنطوي على تدخل في المجاري التنفسية أو وجود تاريخ سابق لصعوبات تنفسية تخديرية قد تستوجب تقييماً لتخطيط النوم مسبقاً.
تأثير التخدير في نبض القلب
قد يُصاب ما يصل إلى 50% من الأشخاص ذوي متلازمة داون ببطء القلب خلال التخدير أو التهدئة، وقد يبلغ هذا البطء حد توقف الانقباض. ويُفضي التباطؤ الشديد في معدل النبض إلى انخفاض ضغط الدم مما يؤثر سلباً على إيصال الأكسجين للأعضاء الحيوية. وإن كان الأطفال ذوو متلازمة داون أكثر عرضة من البالغين، فإن المخاطرة تبقى كبيرة لدى جميع الفئات العمرية.
علاوة على ذلك، تُصيب تشوهات صمامات القلب —ولا سيما انسدال الصمام التاجي— نحو 50% من المراهقين والبالغين ذوي متلازمة داون. وقد تؤثر هذه التشوهات سلباً على استقرار الدورة الدموية خلال التخدير. وتشمل الفحوصات المستخدمة لتقييم أمراض الصمامات: الفحص الجسدي، وتخطيط كهربية القلب (EKG)، ومخطط صدى القلب. وينبغي على أطباء التخدير الاستعلام عن أي اشتباه بأمراض الصمامات قبل الشروع في التخدير.
تأثير الارتجاع المعدي المريئي (GERD) في التخدير
يُعدّ مرض الارتجاع المعدي المريئي اعتباراً تخديرياً بالغ الأهمية، إذ يرفع من خطر الاستنشاق (دخول المحتويات الحامضية للمعدة إلى الرئتين). فالتسكين والتخدير يُثبّطان المنعكسات الوقائية الطبيعية. وحين تُعطَّل هذه المنعكسات، يُصبح المريض عاجزاً عن حماية مجاريه التنفسية من العصارات الحامضية الراجعة، مما قد يُفضي إلى التهيج والالتهاب وحتى تشنجات المجاري التنفسية المهددة للحياة. ولهذا يُعدّ الصيام قبل التخدير إجراءً وقائياً أساسياً لمنع الاستنشاق.
ويُضاف إلى ذلك أن الأشخاص ذوي متلازمة داون أكثر عرضة للارتجاع الحامضي، ويعانون من منعكسات سعال أضعف، وتعلوهم معدلات أعلى من السمنة، فضلاً عن معدلات مرتفعة للإصابة بالالتهاب الرئوي. هذا المزيج مجتمعاً يجعل احتمالات الاستنشاق وما يترتب عليه من مضاعفات أعلى بكثير خلال إجراءات التسكين والتخدير.
تأثير عدم الاستقرار الفهقي المحوري والفهقي القذالي (AAI/AOI) في التخدير
يتعرض الأشخاص ذوو متلازمة داون لخطر أكبر من عدم استقرار مفاصل الرقبة العلوية والمفصل الرأسي الرقبي، مما يجعلهم أكثر عرضة لإصابات خطيرة في الحبل الشوكي. إذ يُمثّل تحريك الرأس والرقبة لفتح المجاري التنفسية ووضع الأجهزة التنفسية إجراءً متوقعاً في كل حالة تخدير تقريباً. وإن كان المريض يعاني من هذا عدم الاستقرار، فقد يكون هذا الإجراء بالغ الخطورة.
والحفاظ على وضعية حيادية للرأس والرقبة خلال التنبيب يكفي عادةً لتفادي إصابة الحبل الشوكي، غير أن ذلك قد يُعيق قدرة طبيب التخدير على إتمام التنبيب بنجاح. وقد يستلزم الأمر إجراء تصوير للرقبة أو تصوير مقطعي محوسب (CT) قبل العملية، أو الحصول على تصريح طبي من طبيب أو جراح أعصاب.
علاقة حجم المجاري التنفسية بالتخدير
يكون قطر الحنجرة والقصبة الهوائية لدى الأشخاص ذوي متلازمة داون أصغر من المعتاد في الغالب، كما قد يعانون من تضيق ما تحت الحنجرة وتلين الرغامى. لذلك يحتاجون عند التنبيب إلى أنابيب رغامى أصغر من تلك المستخدمة مع الآخرين. ومراعاة هذا الأمر ضرورية لتجنب الإصابات التي يمكن الوقاية منها في القصبة الهوائية أو الحبال الصوتية أو الحنجرة.
اعتبارات أخرى تؤثر في التخدير
قد تُعقّد صعوبة الوصول إلى الوريد —نتيجة السمنة وجفاف الجلد— إعطاءَ أدوية التخدير والتسكين. وتشمل الحالات الأخرى التي ينبغي مراعاتها: اضطرابات المناعة الذاتية، والسكري، والخرف، والاكتئاب، والصرع، ونقص توتر العضلات، والسمنة، وهشاشة العظام. وبعض هذه الحالات تحدث بمعدلات أعلى لدى ذوي متلازمة داون، بينما تحدث الأخرى بمعدلات مماثلة لسائر الناس.
ينبغي على فريق التخدير طرح أسئلة وافية حول التاريخ الطبي والجراحي للمريض، إذ إن كثيراً من الحالات القديمة قد تُخلّف مضاعفات تؤثر تأثيراً مباشراً في سلامة التخدير.

