مقدمة
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) هو اضطراب يُشخَّص عادةً في مرحلة الطفولة، وتتجلى فيه ثلاث سمات رئيسية بصورة مستمرة: قلة الانتباه، والسلوك الاندفاعي، والإفراط في النشاط الحركي غير الموجه. وتظهر هذه السمات لدى جميع الأطفال من وقت لآخر، بمن فيهم ذوو متلازمة داون، غير أن ظهورها قد يكون أكثر تكراراً لدى هؤلاء مقارنةً بأقرانهم في العمر.
مدى انتشار ADHD بين الأطفال ذوي متلازمة داون
لا تتوفر بيانات قاطعة حول نسبة انتشار اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه تحديداً بين الأطفال ذوي متلازمة داون، إلا أن الأعراض المشابهة له تُلاحَظ بصورة أكثر شيوعاً لدى الأطفال الصغار منهم مقارنةً ببقية الأطفال.
وتجدر الإشارة إلى أن تفاقم أعراض مركّبة كالنمطية (السلوك التكراري) والقلق، حين تقترن بأعراض تشبه أعراض ADHD، قد يُنبئ بوجود اضطراب آخر كاضطراب طيف التوحد، أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، أو اضطراب الوسواس القهري.
ويُعدّ ADHD غير المصحوب بمضاعفات أكثر شيوعاً لدى الأطفال الأصغر سناً من ذوي متلازمة داون. بيد أن كثيراً من المصابين به في سن المدرسة يُعانون أيضاً من اضطرابات سلوكية مصاحبة، أبرزها: اضطراب المعارضة والعصيان، واضطراب السلوك الفوضوي، وسمات اضطراب الوسواس القهري.
المشاكل الطبية التي قد تُحاكي أعراض ADHD
مشاكل السمع والبصر
لكي ينتبه الطفل إلى المادة الدراسية في الفصل، لا بد أن يكون قادراً على السمع والإبصار بصورة كافية. وتُعدّ إشكاليات السمع والبصر شائعةً بين الأطفال ذوي متلازمة داون؛ إذ تكثر التهابات الأذن لديهم، وحتى بعد علاجها قد تُخلّف فقدانًا في السمع لأسابيع. يُضاف إلى ذلك وجود تشوهات هيكلية في الأذن الوسطى قد تتسبب في ضعف سمع خفيف إلى متوسط مدى الحياة. أما على صعيد البصر، فقصر النظر وطوله وإعتام عدسة العين والعين الكسولة جميعها حالات شائعة لدى هذه الفئة.
توصيات المراقبة
- إجراء فحص استجابة جذع الدماغ (ABR) أو فحص الانبعاث الصوتي القوقعي (OAE) مبكراً، بحد أقصى عند عمر ثلاثة أشهر، لاتخاذه خطاً أساسياً للمقارنة.
- إجراء فحوصات السمع سنوياً حتى عمر ثلاث سنوات، ثم مرة كل سنتين بعد ذلك.
- إحالة الأطفال الذين تُظهر فحوصاتهم نتائج غير طبيعية إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة.
- إجراء تقييم بصري من قِبل طبيب عيون خلال السنة الأولى من العمر، مع الاستمرار في المتابعة السنوية.
مشاكل الجهاز الهضمي
يتعرض الأشخاص ذوو متلازمة داون لخطر متزايد للإصابة بالداء الزلاقي، وهو عدم تحمّل بروتين الغلوتين الموجود في القمح وبعض الحبوب. وقد تكون أعراضه الظاهرة خفيةً لا تتجاوز تأثيرات طفيفة على مستوى الطاقة والسلوك. كما يميل هؤلاء الأشخاص للإصابة بالإمساك الشديد الذي قد يُفضي إلى ألم بطني وفقدان شهية وأرق.
وتُوصي المبادئ التوجيهية الحالية بإجراء فحص الداء الزلاقي بين عامَي السنتين والثلاث سنوات، ويشمل قياس أضداد الأندوميزيوم من نوع IgA إلى جانب إجمالي IgA. كما ينبغي مراجعة حالة الأمعاء في كل زيارة طبية.
مشاكل الغدة الدرقية
يُصاب نحو 30% من الأشخاص ذوي متلازمة داون بأمراض الغدة الدرقية في مرحلة ما من حياتهم؛ ومعظمهم يعاني من قصور الغدة الدرقية الذي يُسبّب التعب والخمول، في حين يُصاب عدد أقل بمرض جريفز (فرط نشاط الغدة) الذي يتجلى في التهيج والأرق. وفي الحالتين، قد تُحاكي الأعراضُ صورةَ قصور الانتباه والمشاكل السلوكية.
لذلك تُوصي إرشادات الرعاية الصحية الخاصة بمتلازمة داون بإجراء فحص سنوي لهرمون الغدة الدرقية في الدم.
اضطرابات النوم
تُعدّ اضطرابات النوم شائعةً للغاية لدى ذوي متلازمة داون، وتعود إلى أسباب متعددة يجمعها قاسم مشترك واحد هو الحيلولة دون نوم هانئ ومتواصل. وعلى عكس البالغين، يظهر إرهاق الأطفال في صورة أرق وكثرة تذمر وصعوبة تهدئة، فضلاً عن تراجع القدرة على التركيز واكتساب المعارف.
ومن أبرز هذه الاضطرابات انقطاع النفس النومي، الذي يتمثل في توقف التنفس لفترات قصيرة متكررة خلال النوم؛ وذلك بسبب صغر حجم المجاري التنفسية وليونتها لدى هذه الفئة، مما قد يُفضي إلى انسدادها جزئياً أو كلياً بفعل تضخم اللوزتين أو الزوائد الأنفية أو تراخي جدار المجرى التنفسي. وقد يضطر بعض المصابين إلى الاستيقاظ مئات المرات في الليلة الواحدة لاستعادة تنفسهم.
وتشمل أعراض انقطاع النفس النومي: الشخير، وكثرة التقلب أثناء النوم، والنعاس المفرط نهاراً، والتنفس الفموي، واتخاذ أوضاع نوم غير مألوفة كالنوم جالساً أو منحنياً للأمام.
يُنصح بإحالة الأطفال المشتبه في إصابتهم باضطرابات النوم إلى مركز نوم معتمد لإجراء دراسة تقييمية متخصصة.
صعوبات التواصل التي قد تُشبه ADHD
يواجه الأشخاص ذوو متلازمة داون عوائق جمّة تحول دون التواصل الفعّال؛ إذ تكون مهارات الاستيعاب اللغوي (فهم ما يُقال) لديهم أقوى عادةً من مهارات التعبير اللغوي (القدرة على الكلام والإفصاح). وكثيراً ما يُعبّر الوالدان عن هذه المفارقة قائلَين: "يعرف ما يريد أن يقوله، لكنه لا يستطيع ترتيب الكلمات في جمل واضحة، أو لا نستطيع فهمه". وهذا ما يجعل المشاركة داخل الفصل الدراسي أشد صعوبةً، وقد يُترجم الطفل إحباطه الناجم عن ذلك في تصرفات سلوكية أو في اللامبالاة وعدم الانتباه.
المشاكل التعليمية التي قد تُشبه ADHD
تتنوع أساليب التعلم تنوعاً واسعاً لدى الأطفال ذوي متلازمة داون، مما يستوجب أن يُجرّب الفريق التعليمي أكثر من طريقة قبل الوصول إلى النهج الأمثل. فإذا قُدِّمت المادة بأسلوب لا يتوافق مع طريقة تعلم الطفل —كالاعتماد على التعليمات الشفهية لطفل يحتاج إلى مثيرات بصرية— فقد تظهر عليه أعراض الملل والانفعال وفرط النشاط.
وقد يُشكّل مستوى المادة ذاتها إشكاليةً مستقلة؛ فالمفاهيم البالغة الصعوبة تدفع الطفل إلى "الانسحاب" وعدم الاستماع، تماماً كما يفعل الطفل الذي يشعر بالملل من مادة أدنى من مستواه.
الجوانب العاطفية التي قد تُشبه ADHD
نظراً لصعوبات التواصل المذكورة، قد يعجز الأشخاص ذوو متلازمة داون عن التعبير اللفظي عما يُحزنهم أو يُغضبهم. وقد تُفضي التغيرات الحياتية الكبرى —كفقدان شخص عزيز أو الانفصال— إلى تراجع ملحوظ في السلوك داخل المدرسة أو بيئة العمل.
الخطوات التالية
إذا لاحظ أحد الوالدين لدى طفله تراجعاً في مدة الانتباه، أو سلوكاً اندفاعياً، أو إفراطاً في النشاط الحركي غير الموجه، فمن الضروري أن يُجري طبيب الأطفال وطبيب الأطفال النفسي تقييماً شاملاً يستبعد فيه الحالات الأخرى المتنكّرة في صورة ADHD، قبل الوصول إلى تشخيص نهائي والشروع في العلاج المناسب.

