التعليم لذوي متلازمة داون
تحدث عملية التعلم بشكل تلقائي لدى الأشخاص العاديين كلما تفاعلوا مع بيئتهم، إذ تصل المعلومات إلى الدماغ عبر المدخلات الحسية: النظر، والسمع، واللمس، والتذوق، والشم. يُدرك المتعلم معنى هذه المدخلات ويعالجها من خلال تفسيرها وتنظيمها وإيداعها في الذاكرة العاملة قصيرة المدى. وإذا جرى استخدام هذه المعلومات والتدرب عليها بصورة متكررة، انتقلت إلى الذاكرة طويلة المدى حيث تُخزَّن لاسترجاعها بسرعة عند الحاجة، لتصبح جزءاً راسخاً من ذاكرة المتعلم.
أما عملية التعلم لدى ذوي متلازمة داون فهي مختلفة؛ إذ يعجزون في الغالب عن السير التلقائي في هذه العملية، مما يستدعي تكييف أساليب التدريس لضمان نجاحهم التعليمي.
العناصر الرئيسية الستة في عملية التعلم
- التعرض للبيئة
- المدخلات الحسية
- الإدراك
- المعالجة
- النتيجة
- التغذية الراجعة
التعرض للبيئة
يجد الأطفال الرضع والصغار أن كل شيء في عالمهم جديد؛ فهم ينظرون ويستمعون ويتذوقون ويلمسون ويشعرون لأول مرة، غير أنهم غير قادرين على فهم هذا العالم من تلقاء أنفسهم. يُساعد الوالدان الأطفالَ على التفاعل مع البيئة من خلال تعريفهم بأسماء الأشياء وكيفية عملها، وعلاقة السبب بالنتيجة، وتسلسل الأحداث، والتصنيفات، واستراتيجيات تنظيم المعلومات، فضلاً عن التسميات لما يرونه ويسمعونه ويتذوقونه ويلمسونه ويشعرون به. ويحتاج الأطفال أيضاً إلى التحفيز والتفاعل مع البيئة لاكتساب اللغة وتعلم توظيفها في التواصل.
قد يجد أطفال متلازمة داون صعوبةً في التواصل مع والديهم. وثمة أنماط تفاعلية بعينها تُسهم في تهيئتهم لعملية التعلم، منها: الإيماءات، وإشارات اليد المقرونة بالكلمات، وتبادل الأدوار، واللعب، والغناء، والتحدث، والقراءة.
المدخلات الحسية
تكون قدرة المتعلم من ذوي متلازمة داون على استيعاب المدخلات الحسية غير واضحة في الغالب، وذلك لأسباب عدة:
- قد لا تكون المدخلات الحسية حادة بسبب ضعف البصر و/أو السمع، أو بسبب ضعف حاستَي الذوق والشم الناجم عن نزلات البرد المتكررة. لذا ينبغي معالجة هذه المشكلات بجدية.
- تكون الذاكرة السمعية قصيرة المدى ضعيفة، في حين تكون الذاكرة البصرية قصيرة المدى جيدة نسبياً. لذا يجب ربط المدخلات البصرية بالمدخلات السمعية.
- قد يُصفّون كثيراً من المدخلات الحسية خلال التدريب لأنها مفرطة الكمية أو السرعة أو التعقيد. لذا تحتاج كمية المدخلات ووتيرتها إلى ضبط دقيق يتناسب مع قدرة الطالب على الاستيعاب والإدراك والمعالجة.
- قد يعجز بعض الأطفال عن تصفية المدخلات الحسية غير ذات الصلة بالنشاط التعليمي. لذا يجب أن تكون البيئة التعليمية خالية من المشتتات الحسية.
الإدراك
الإدراك هو فهم المتعلم للمعلومات، وينبغي أن يكون دقيقاً وواضحاً. ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك: استخدم معلم مربعات برتقالية اللون من الورق المقوى لتعليم الطالب لون "البرتقالي". وبعد وقت قصير من الدرس، أشار المعلم إلى مربع خشبي وسأل: "ما هذا؟" فأجاب الطالب: "برتقالي"، غير أن إدراكه كان أن "البرتقالي" اسمٌ للشكل لا للون. وهذا المثال يُبيّن أهمية التأكد من دقة الإدراك وعدم وقوع لبس في فهم المفاهيم.
المعالجة
يمتلك المتعلمون عادةً "نظام تخزين" يُمكِّنهم من حفظ المعلومات واسترجاعها بسهولة في وقت لاحق. أما المتعلمون من ذوي متلازمة داون فقد يفتقرون إلى هذا النظام؛ إذ تتدفق المعلومات وتتداخل بطريقة عشوائية، مما يجعل استرجاعها أمراً عسيراً. لذا يجب تنظيم طريقة تقديم المعلومات وتوظيفها بما يُيسّر تخزينها واسترجاعها عند الحاجة.
وتُسهم أهداف الخطة التربوية الفردية في تنظيم المعلومات وتقديمها عبر مراحل التعلم الأربع: الاكتساب، والممارسة، والنقل، والتعميم.
النتيجة
بعد تخزين المعلومات، يحتاج الطالب إلى وسيلة فعّالة يُبرهن من خلالها على استيعابها؛ وتعتمد هذه الوسيلة على قدرات الطالب ومهاراته. وتُعدّ النتيجة جزءاً أساسياً من عملية التعلم، إذ تُمكِّننا من قياس مدى فهم الطالب للمعلومات.
النموذج المثالي للتعبير عن النتيجة هو اللفظ أو لغة الإشارة؛ فالطلاب يُفصحون عمّا تعلموه لفظاً أو إشارةً ويُجيبون على الأسئلة. بيد أن المتعلمين البصريين لا يستطيعون في أحيان كثيرة توظيف اللغة اللفظية للتعبير عمّا اكتسبوه، ويحتاجون إلى التكرار والوقت الكافي للتدرب على المهارات، بدءاً بالمطابقة ثم الاختيار، قبل أن يُطلب منهم تقديم الإجابة لفظاً أو إشارةً.
التغذية الراجعة
يجب أن يعلم الطلاب مدى صحة إجاباتهم؛ فبدون تغذية راجعة دقيقة تظل عملية التعلم ناقصة. وبالنسبة للمتعلمين البصريين، تكون التغذية الراجعة أشد فاعليةً حين تُقرن الكلمات بأشياء ملموسة ومرئية. ويُسهم تزويد الطلاب بالرموز والملصقات التي يستطيعون من خلالها تتبع تقدمهم ورصد إنجازاتهم وتحديد أهدافهم في إشراكهم إشراكاً كاملاً في عملية التعلم وتقييم أدائهم بأنفسهم.
تراجع الطالب
إذا أظهرت بيانات تتبع الأداء أن الطالب "يعرف" شيئاً في يوم ما ثم "لا يعرفه" في اليوم التالي أو الأسبوع أو الشهر أو بعد الإجازة الصيفية، فهذا لا يعني بالضرورة أنه تراجع أو فقد ذاكرته. فالأرجح أن المعلومات قد خُزِّنت في الذاكرة قصيرة المدى لكنها لم تُمارَس بما يكفي لانتقالها إلى الذاكرة طويلة المدى.
في هذه الحالة، ينبغي مراجعة ما سبق تدريسه، وإن أخفقت المراجعة في استرجاعه، أُعيد تعليمه من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن إعادة تعليم معلومات سابقة تكون أسرع من تعليم معلومات جديدة. وتذكّر أن عملية التعلم لا تكتمل إلا باستيفاء مراحلها الأربع جميعها: الاكتساب، والممارسة، والنقل، والتعميم. وتظل المعلومات الهادفة ذات الصلة بالحياة اليومية راسخةً في الذاكرة من خلال الاستخدام المستمر في البيئة الطبيعية.




